"الإرث السام".. كيف يزيد غضب المستهلكين بسبب ارتفاع الأسعار الضغوط على السياسيين؟

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

"الإرث السام".. آفة تعاني منها الحكومات -لا سيما في الاقتصادات الغنيّة- والمقصود بهذا الإرث هو ارتفاع معدلات التضخم بعد جائحة كورونا، والتي امتدت آثارها بشكل لافت ومثير للجدل لتفاقم الضغوطات على الحكومات.

يرتبط استمرار غضب المستهلكين بسبب الأسعار المرتفعة بضرر بالغ للحكومات في الاقتصادات المتقدمة، حتى مع تراجع التضخم إلى مستويات طبيعية تقريباً في تلك البلدان.

خلّفت الزيادة المفاجئة في التكاليف، التي تُعتبر فريدة من نوعها في جيل، إرثًا سامًا للسياسيين القائمين. وفي أحدث مثال على ذلك كان الاستياء من الاقتصاد أحد العوامل الرئيسة التي دفعت الناخبين الجمهوريين في انتخابات الولايات المتحدة الأخيرة، وفقًا لاستطلاعات الرأي، ما أسهم في هزيمة كامالا هاريس أمام دونالد ترامب، وفق تقرير لصحيفة فايننشال تايمز.

كذلك فإن الحكومات في دول كبرى مثل المملكة المتحدة واليابان قد تعرضوا لخسائر في انتخابات هذا العام، جزئياً بسبب الغضب من تكاليف المعيشة المرتفعة.

اقرأ أيضاً: كيف لعب ارتفاع تكلفة المعيشة دوراً في فوز ترامب؟

وفي هذا السياق، تشير استطلاعات رأي متفرقة إلى أن إرث التضخم سيؤثر أيضًا في الانتخابات الوطنية العام المقبل، بما في ذلك في ألمانيا وكندا.

استمرار أثر التضخم

ويتوقع أن تستمر تأثير الموجة التضخمية حتى مع اقتراب عودة التضخم إلى مستوياته الطبيعية. وهو ما يلمح إليه أستاذ العلوم السياسية في جامعة مانشستر، روبرت فورد، بقوله: "يستغرق الأمر وقتًا حتى يتأثر النظام الانتخابي بارتفاع الأسعار.. التضخم لا يُعتبر منتهياً من قبل الناخبين العاديين حتى يعتادوا على مستويات الأسعار الجديدة.. ونحن لم نصل إلى هذه النقطة بعد."

انخفض معدل التضخم المتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أدنى مستوى له منذ صيف 2021 في سبتمبر/ أيلول، وهو الشهر الأخير المتوفر فيه بيانات كاملة. ويُقدّر الآن أنه يدور حول هدف البنوك المركزية البالغ 2% في أكثر من نصف دول المنظمة، بما في ذلك المملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا وكندا.

وعلى الرغم من ذلك، لا تزال ثقة المستهلكين أقل بنسبة 1.7% عن مستويات ما قبل الجائحة في جميع أنحاء المجموعة، مما يعكس الاستياء من تكاليف المعيشة المرتفعة، بحسب التقرير.

بينما تنمو الأجور الآن بوتيرة أسرع من الأسعار، فإن الدخل الفعلي في عديد من الاقتصادات الكبرى قد تجاوز مستويات ما قبل جائحة كورونا للتو.

كانت مستويات الأسعار المتوسطة عبر دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أعلى بنحو 30% في سبتمبر/ أيلول 2024 مقارنة بشهر ديسمبر/ كانون الأول 2019، قبل أن يتسبب ظهور جائحة كورونا في سلسلة من الصدمات والاستجابات السياسية التي، مع غزو روسيا لأوكرانيا، أذكت الزيادة التضخمية.

أزمة تكلفة المعيشة

ووفق الاقتصادي في شركة Capital Economics، بول ديلز، فإن المستهلكين ينظرون إلى فواتير المرافق أو التسوق الأسبوعي ويستنتجون أن هذه التكاليف لا تنخفض، لذا لا يزال أزمة تكاليف المعيشة مستمرة.

كما أن أسعار الغذاء أعلى بنحو 50% مقارنة بشهر ديسمبر 2019، في حين فشلت زيادة الأجور في مواكبة ذلك في حوالي نصف دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وقال بول دونوفان، الاقتصادي في UBSإن المستهلكين والناخبين يميلون إلى تذكر مستويات الأسعار، مشدداً على أن :الأسعار القديمة تظل في أذهان الناس لمدة 18 شهرًا أو أكثر، وتعتبر الأسعار المرتفعة غير عادلة".

اقرأ أيضاً: ماذا يعني خفض الفدرالي أسعار الفائدة للمرة الثانية بالنسبة للمواطن الأميركي؟

كما أفادت أستاذة الاقتصاد في جامعة ماساتشوستس، إيزابيلا ويبر، في السياق نفسه، بأن الأبحاث التاريخية تظهر أن "فترات التضخم يمكن أن تزعزع استقرار" المجتمعات والأنظمة السياسية بالكامل.

وأوضحت أن الحلقة الحالية من التضخم كانت بالغة الخطورة، لأن الاقتصادات المتقدمة لم تكن معتادة على التضخم المرتفع منذ السبعينيات (..) مضيفة: عندما يذهب الناس العاملون إلى النوم جائعين، يفقدون الثقة في النظام ويغضبون من الدولة.

في ألمانيا، التي تتجه نحو انتخابات مبكرة العام المقبل بعد أن تخلى المستشار أولاف شولتز عن ائتلافه الثلاثي، كانت الأحزاب المناهضة للمؤسسة على اليسار واليمين هي المستفيد الأكبر من زيادة التضخم.

ماذا يجرى في ألمانيا وكندا؟

ومن المتوقع أن يفوز حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) وحزب تحالف سارا فاجينكنشت اليساري المتطرف (BSW) بنسبة ربع الأصوات، وهو مستوى دعم للمتطرفين غير مسبوق منذ العشرينيات.

وفي كندا، حيث ستجرى الانتخابات الفدرالية العام المقبل، استخدم زعيم المعارضة المحافظة بيير بويليفر أزمة تكاليف المعيشة كسلاح ضد رئيس الوزراء جاستن ترودو.

على الرغم من أن التضخم الآن عند 1.6% فقط، يبدو أن تكتيكه يحقق نجاحًا. قال حوالي 34% من الكنديين إن ارتفاع التكاليف هو أولويتهم القصوى في استطلاع أجرته "ليجير" في سبتمبر/ أيلول.

وحسب استطلاع آخر أجرته Angus Reid ، يتوقع واحد من كل خمسة كنديين أن تتحسن أوضاعهم المالية خلال الـ12 شهرًا المقبلة.

حتى في البلدان التي تجاوزت فيها الأجور الفعلية مستويات ما قبل الجائحة، لا يزال موضوع الأسعار المرتفعة يشكل قضية سياسية ساخنة.

وقال حوالي 90% من البريطانيين في سبتمبر إن أزمة تكاليف المعيشة هي "أهم قضية تواجه المملكة المتحدة"، على الرغم من انخفاض التضخم العام إلى أدنى مستوى له في ثلاث سنوات بنسبة 1.7%.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة